الشيخ محمد حسين الحائري
230
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
الكلام وغيره وأما تفصيلا فنقول في الوجه الأول بأنا لا نعرف من العرف شهادة على قبح تأخير البيان في محل النزاع والأمثلة التي ذكرها في بيانه منها ما يحتمل أن يكون من محل النزاع ولا قبح فيه على تقديره وهو قوله افعل كذا تهديدا واقتل زيدا مريدا به الضرب الشديد فإنه إن كان وقت الحاجة متأخرا عن زمان الخطاب فلا نسلم القبح فيهما وإلا فالقبح مسلم لكنه خارج عن محل البحث ومنها ما هو خارج عن المبحوث عنه وهو قوله رأيت حمارا مريدا به البليد لأنه خبر وليس له من حيث كونه خبرا وقت حاجة يجوز التأخير إليه بل يجب فيه مقارنة القرينة فيه لحال الخطاب لان تجريده عنها يصيره كذبا لان المدار فيه على عدم مطابقة مدلول الكلام للواقع أو للاعتقاد أو لهما معا على اختلاف الآراء ولا ريب في قبحه وأما قوله الفارق بين الحقيقة والمجاز هو القرينة فإن أراد مقارنتها للخطاب فهو على إطلاقه ممنوع وإلا فمسلم ولا جدوى له فيه وأما عن الثاني فبأن المكلف به إنما دل على مراده بالكلام مع القرينة اللاحقة له لا به وحدها ولا ريب في أن المجموع دال عليه وما ادعاه من أنه لا مدخل لوقت الحاجة في دلالة اللفظ فإن أراد به دلالة اللفظ على المعنى في الجملة فمسلم ولا جدوى فيه وإن أراد دلالته عليه من حيث كونه هو المراد فممنوع بعد ما مر القول في نظائره وأما منعه من جواز التأخير في الاخبار ففي محله كما عرفت وليس فيه قدح لما ذهبنا إليه وأما عن الثالث فبأن غاية ما يقتضيه أن يكون الخطاب به بالنسبة إلى ما قبل وقت الحاجة بمنزلة الخطاب بالمجمل وقد بينا جوازه وأجازه المفصلون والفرق بين القول بأن العام ظاهر في الاستغراق والقول بالوقف إنما يظهر عند وقت الحاجة حيث يبني من قال بالأول على العموم عند عدم ظهور المخصص بخلاف من قال بالثاني وأما عن الوجه الأخير فبأنا لا نسلم أن إيقاع الغير في اعتقاد يخالف الواقع قبيح مطلقا إذ لا دليل عليه من عقل ولا نقل بل وقوعه في المقام في جانب النقل كما يظهر بالتتبع يقتضي بجوازه وقياسه على الكذب ممنوع إذ لا نسلم أن الكذب إنما قبح لكونه إغراء بل لكونه إغراء مخصوصا أو من حيث الخصوصية ولهذا يقبح وإن لم يؤثر في الاعتقاد ومن هنا لا يقبح خروج الفقير في ذي الغنى والقبيح في ذي الجميل ونحو ذلك وإن اشتمل على إغراء الجاهل بحاله مع قبح إخباره بذلك هذا هو التحقيق الذي لا مزيد عليه في الجواب ويمكن أن يجاب أيضا بأن الاغراء إنما يلزم حيث لا يحتمل التجوز وقد بينا أن الاحتمال قائم فيما قبل الحاجة وأصالة الحقيقة بمجردها لا توجب القطع بإرادتها وإنما توجب الظن بها ولا نسلم أن حمل المخاطب عليه إغراء له بالجهل إذ الظن عند العقل كالشك لا اعتداد له به إلا حيث ينهض دليل على اعتباره ومن قال بأن من قال الأصل في الاستعمال الحقيقة أراد أن اللفظ مع فوات وقت القرينة وتجرده عنها يحمل على الحقيقة لا مطلقا فكأنه أراد بالحمل ما يوجب القطع بالمراد ولو في الظاهر كما ذكرنا وحينئذ لا يتجه عليه ما أورده بعض المعاصرين من أن تفسير الأصل بهذا المعنى مما لم يقل به أحد وأنه لا ريب في أن الظاهر من اللفظ المجرد عن القرينة بعد الفراغ من الكلام هو الحقيقة وذلك لان كلام المجيب على ما أولناه به في الدلالة القطعية دون الظنية نعم يتجه ذلك على ظاهره القول في النسخ وما يتعلق به فصل النسخ يأتي لغة للإزالة يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته وللنقل ومنه التناسخ في الأبدان والتناسخ في المواريث قيل ومنه أيضا نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه وفيه ضرب من التوسع إذ لا نقل هناك حقيقة وهل هو مشترك بين المعنيين أو حقيقة في أحدهما مجازا في الاخر أقوال والبحث فيه موكول إلى علم اللغة وأما في عرف الشرع أو المتشرعة فقد ذكروا له حدودا عديدة لا يسلم جلها أو كلها عن وصمة الخلل فقال الفخر الرازي هو اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول وقال الغزالي هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه وقالت المعتزلة هو اللفظ الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وقال الفقهاء هو النص الدال على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع تراخيه عن موارده وأورد على الجميع أولا بأن كلا من اللفظ والنص والخطاب دليل النسخ فلا يصح تحديده به ويمكن دفعه بأن النسخ كما يطلق على الرفع كذلك يطلق على ما يدل عليه وتعريفه باللفظ وما في حكمه مبني على أخذه بالمعنى الثاني ولا خفاء في أن تحديده بكل من المعنيين يستلزم تحديده بالمعنى الاخر ولهذا يستغنى بذكر أحدهما عن الاخر وثانيا بدخول أخبار الراوي بالنسخ إذ يصدق عليه تلك الحدود مع أنه خارج عن المحدود وما يقال من أن المراد الرافع بالذات وقول الراوي إنما يكشف عنه فتعسف واضح وثالثا بخروج النسخ بفعله صلى الله عليه وآله فإن النسخ لا يختص بالقول وربما أمكن دفعه عن الحد الثاني بحمل الخطاب فيه على الخطاب النفسي كما يراه الأشاعرة فيتساوى فيه القول والفعل أقول ويرد عليها رابعا بدخول مثل إخبار الوكيل بالطلاق فإن عدمه شرط لدوام الزوجية وبقائها ومثله الكلام في سائر الأخبار أو الشهادات التي تضاهي المقام وخامسا بدخول الاحكام الرافعة لأصل الإباحة فإن شرط بقاء الحكم الثابت به عدم مجئ دليل على خلافه مع أنه لا يسمى نسخا كما ستقف عليه وربما أمكن دفعه عن الحد الأخير بأن المراد بالحكم الشرعي فيه ما يقابل الحكم العقلي وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله وسادسا بمثل قوله لا تفعل بعد قوله افعل كذا إلى أن أقول لك لا تفعل وسأقول لك لا تفعل مع أنه من باب التقييد بالغاية عند جماعة وسابعا بأن لفظ الظهور في الحد الأول مستدرك فإن مدلول النسخ الانتفاء لا ظهور الانتفاء وإن كان أثره لا يظهر في الظاهر إلا بعد ظهوره قالوا والقيدان الأخيران